جوز امي حكايات صافي هاني

نُشر منذ 4 أسابيع
حفظ
غلاف المقال

مسكت إيده أكتر. أنا مش هكرهك. ولا عمري هعتبرك جوز أمي. إنت أبويا. فتحي فتح عينه بصعوبة. بصلي. ابتسم. وقال بصوت ضعيف جدًا كنت... عارف. ضحكت وأنا بعيط. عارف إيه؟ قال إنك... هتفهمي. وبعدين قفل عينه. لكن المرة دي، ملامحه كانت هادية. عدت أيام. فتحي توفى بهدوء. ودفــ,,ـــــنته بنفسي. وقفت قدام قبــ,,ـــــره وقت طويل.

وقلت أنا فقدت أمي زمان. بس ربنا عوضني بأب. وبعد الدفــ,,ـــــن، رجعت البيت. لقيت الصندوق قدامي. فتحت آخر ظرف. كان فيه ورقة صغيرة. خط فتحي. يا صافي، لو وصلتي للنهاية، يبقى أهم حاجة عرفتيها مش مين أبوكي بالدم. أهم حاجة تعرفي مين وقف جنبك. أنا محظوظ إن ربنا اختارني أكون أبوكي. ولو في يوم أولادك سألوكي عني، قولي لهم إن جدهم فتحي ما كانش عنده غير بنت واحدة.

وهي إنتِ. انهرت في العياط. لكن وسط كل الحزن، لأول مرة فهمت معنى العيلة الحقيقي. مش كل عيلة بتبدأ بالدم. في عائلات بتبدأ بوعد. ووعد فتحي كان أقوى من أي ورقة وأي نسب. بعد شهور، خلصت كل الإجراءات القانونية. البيت والأرض والحقوق اتسجلت باسمي زي ما أبويا كتب. لكن أغلبها ما كانش أهم عندي من حاجة واحدة.

الصور. صورة أمي. صورة فتحي. وصورة وأنا صغيرة وأنا واقفة بينهم. علقتها في الصالة. وكل ما أولادي يسألوا مين الراجل ده؟ أقول لهم ده جدكم. ولو يسألوا هو مش جدنا من ناحية الدم؟ أبتسم وأقول أوقات الدم بيكون مجرد بداية الحكاية. لكن اللي بيحبك ويحميك ويقف جنبك ويكمل معاك الطريق... ده هو العيلة بجد.

وفي يوم، وأنا برتب حاجات فتحي القديمة، لقيت دفتر صغير. فتحته. كل صفحة كانت فيها ملاحظة عني. أول كلمة قلتها. أول يوم مدرسة. أول مرة وقعت واتجرحت. أول نجاح. أول مرة عملت فيها فطير بنفسي. وفي آخر صفحة كان مكتوب صافي كبرت. والحمد لله إني عشت لحد ما أشوفها أم. دلوقتي أقدر أرتاح. قفلت الدفتر وحطيته جنب صورته.

وفي نفس الليلة، عملت فطير بالسكر لأولادي. ولما دوقت أول قطعة، ضحكت وأنا بعيط. لأن طعمها كان زي زمان. نفس السكر. نفس العجينة. نفس الذكرى. بس المرة دي، أنا اللي كنت بعملها. وبصيت للصورة وقلت يا بابا فتحي... وعدك لسه عايش. وأنا عمري ما هنساك. ومن يومها، كل سنة في ذكرى وفاته، كنت بعمل الفطير وأجمع أولادي حوالين الترابيزة. وأحكيلهم عن راجل ما كانش لازم يحبني. ولا كان لازم يربيني. ولا كان لازم يتحمل مسؤوليتي.

لكنه اختار يعمل كل ده. اختار يكون أب. وفي النهاية، فهمت إن أكبر سر خبّته أمي عني طول حياتي ما كانش سر عن الفلوس ولا البيت ولا النسب. كان سر عن معنى الأبوة نفسها. لأنها كانت عارفة إن اليوم اللي هعرف فيه الحقيقة، هكتشف إن الراجل اللي ظنيته مجرد زوج أمي... كان أبويا من أول يوم. وآخر حاجة احتفظت بيها من فتحي كانت ورقة صغيرة جدًا.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
HA

Hind Abdelaziz ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
21مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

الأكثر قراءة الان