تجمدت في مكاني، وعيني وسعت على آخرهم وأنا بصلها بذهول. الحاجة فاطمة واقفة في وسط الصالة، حاطة إيدها في جنبها، والراجل اللي معاها بيحط كرتونة الأجهزة الطبّية على الأرض وجنبها شنطة السفر الكبيرة، وكأنها جاية تقيم إقامة دائمة مش مجرد زيارة سريعة! سيف فتح عينيه بالعافية على صوت أمه، حاول يقوم يقعد وهو بيمسك ضهره وبطنه ويهتف بصوت مبشوح: * “أمي؟! أنتي رجعتي تاني ليه؟ وبعدين إيه الشنط والأجهزة دي كلها؟
” الحاجة فاطمة قربت بخطوات حازمة، وبصت لسيف بقلة صبر وبعدين لفتلي بنظرة صارمة وهي بتقول: * “رجعت عشان أحمي ابني! لما نزلت مسكة بطني أنا وأختك وسألت عمر اللي كان نازل يطوح على السلم وعرفت إنه اقتحم الشقة وكان حيتسبب في كسر ضهرك، عرفت إنكم مش قد المسؤولية. ليلى مش فاهمة طبيعة مرضك ولا تعرف حاجة عن أدوية العلاج الطبيعي وأجهزة التنبيه الكهربائي لضهرك، وأنا مش هسيب روح ابني تحت إيد عروسة أخرها تحــ,,ـــــرق الثوم وتغرق الأكل خل وشطة!
” كلامها كان زي الدبابيس بيشك في كرامتي. وقفت من جنب سيف، مسحت دموعي، وحسيت بنــ,,ـــــار الغيرة والمواجهة بتولع جوايا من جديد. التفت ليها وقولت بنبرة هادية بس مليانة إصرار: * “يا طنط.. أنا عرفت الحقيقة كاملة من سيف، وعرفت حجم مسؤوليته. الأكل اللي عملته الصبح كان سوء فهم مني لأني كنت فاكرة سيف بيلعب بيا، بس خلاص كل حاجة اتوضحت.
سيف جوزي ودلوقتي مسؤوليته، وأنا أقدر أراعية وأتعلم أجهزة العلاج وأدويته بنفسي، مش محتاجين حضرتك تتعبي نفسك وتقعدي معانا.” الحاجة فاطمة ضحكت ضحكة خفيفة مليانة استهانة، ولفت وهي بتمسك علبة دوا من الكرتونة وتقول: * “تراعية؟ أنتي يا حبيبتي اللي صحيا الصبح تقولي مبعرفش أطبخ ولا أنضف وبتصحي بعد العصر؟ العلاج ده محتاج نظام عسكري، أكل صحي مسلوق خالي من الدهون والبهارات، أوقات دوا بالدقيقة، وتدليك لضهره مرتين في اليوم بالطريقة الصح عشان الفقرات متتحركش من مكانها.
أنتي فاكرة الجواز مجرد كلمة وحــ,,ـــــضن؟ ده جهاد يا بابا! وأنا مش ماشية من هنا غير لما أطمن إن ابني بقى يقف على رجليه بجد، وإنك بقيتي ست بيت تتحملي المسؤولية.” سيف بصلها بقلة حيلة وقال: * “يا أمي ارجوكي، إحنا لسة في صباحيتنا، ليلى ملهاش ذنب، والبيت له حرمته..” قاطعته الحاجة فاطمة بصوت قاطع لا يقبل النقاش: * “سقوت يا سيف!
أنت اللي ورطت نفسك من الأول لما خبيت عنها وعن الناس، ولولا إنها عرفت بالصدفة كان زمانك مشلول من الزقة بتاعة النهاردة! أنا دخلت أوضة الأطفال حطيت شنطتي، ومن بكرة الفجر جدول العلاج والأكل هيبدأ.” بصيت لسيف، لقيته بيغمزلي بعينيه وكأنه بيترجاني أعدي الموقف عشان أمه متزعلش وعشان وضعه الصحي المتردي. أخدت نفس عميق، وابتسمت ابتسامة التحدي اللي أصلها فيا، وقولت بثقة: * “تمام يا طنط.
. منورة بيتك الثاني. بس بشرط.. حضرتك هتكوني المشرفة والموجهة بس، لكن كل حاجة هتم بإيدي أنا! الأكل، الدوا، الجلسات، وتنضيف البيت. وهثبتلك إن اللي تقدر تعمل ‘مؤامرة الفطور’ تقدر بذكائها تدير بيت كامل وتخفف عن جوزها!” الحاجة فاطمة بصتلي بتحدي متكافئ وقالت: * “نمت أصلك يا عروسة.. هنشوف من بكرة الصبح، أما ينزل الفجر ونبدأ المارثون بجد!” مرت باقي ليلة الصباحية في هدوء حذر، كأنه الهدوء الذي يسبق العاصفة.




النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.